الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

239

نفحات الولاية

بيت المال مئة وستة وعشرين مليون وسبعمأة دينار . والأعجب من ذلك الدنانير التي أغدقها على بني أمية فقد منح مروان بن الحكم خمسمأة ألف دينار ، ويعلي بن أمية خمسمأة ألف دينار ، وعبد الرحمن بن عوف مليونين وخمسمأة وستين ألف دينار والمجموع أربعة ملايين وثلاثمأئة وعشرة دنانير « 1 » . وهنا يتضح عمق المعنى لقوله عليه السلام : « يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع » . وبالطبع فان هذا الوضع لم يكن ليستمر لمدّة طويلة حيث لا يسع المسلمون تحمل مثل هذه الظروف ولذلك لم تمض مدّة حتى انطلقت تلك النهضة ضد عثمان لتطيح به في خاتمة المطاف وتقتله بمرأى ومسمع من الامّة دون أن يهب أحد من المسلمين لنصرته وهذا بعينه ما أشار إليه الإمام عليه السلام حين قال : « إلى أن انتكث « 2 » عليه فتله « 3 » وأجهز « 4 » عليه عمله ، وكبت « 5 » به بطنته « 6 » » . والواقع أنّ الإمام عليه السلام رسم بثلاث عبارات صورة واضحة كاملة عن وضع الخليفة الثالث وانتهاء أمره وقتله . فقد صور في العبارة الأولى إزالته لكافة مظاهر القدسية والزهد التي عرفها عنه الناس ليقفوا على مدى تكالبه على الدنيا . كما يصور في العبارة الثانية سوء أعماله التي وجهت له الضربة القاصمة ، وأخيراً تخمته وامتلاء جوفه بالطعام بالشكل الذي لم يتمكن معه من الوقوف على قدميه حتى كب على وجهه على الأرض . فقد بين الإمام علي عليه السلام بهذه العبارات الدروس والعبر التي ينبغي أن يقتدي بها ساسة البلدان ويضعوها نصب أعينهم بحيث إذا إستغلوا مكانتهم وأقبلوا يتهافتون على الدنيا فانّ ذلك سيؤدي إلى زوال سوابقهم الحسنة بما يعبىء الرأي العام ضدهم وبالتالي الإطاحة بهم وبحكومتهم . جدير بالذكر أنّ العوامل التي بلورة ظهور وانبثاق خلافة عثمان هي ذاتها التي أدّت إلى القضاء عليه ، فقد دفع حب المال والثروة بعض الأفراد من قبيل سعد بن أبي وقاص

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 198 . ( 2 ) « انتكث » من مادة « نكث » على وزن عكس بمعنى النقض والكسر ومن هنا يقال لعدم الالتزام بالعهد نقضه . ( 3 ) « فتل » بمعنى اللف ، ومقتول وفتيلة من هذا الباب . ( 4 ) « أجهز » من مادة « إجهاز » ، تطلق على المجروح وتفيد التسريع في الموت واتمام العمل . ( 5 ) « كيت » من مادة « كبو » بمعنى السقوط والوقوع على الوجه ، ومن هنا يقال كبابه الجواد إذ سقط لوجهه . ( 6 ) « بطنته » من مادة « بطن » بمعنى التخمة ( ملىء الجوف الطعام أو النهم في الأكل ) .